الشيخ السبحاني
95
بحوث في الملل والنحل
يا أُمّه اثكليه « 1 » : قد بلغ إقصاء العقل عن ساحة العقائد ، والاكتفاء بالمرويّات الضعاف إلى حدّ استطاع أحد الشيوخ من الحنابلة أن يصعد منبر التوحيد ، وهو يرى أنّ للَّه نزولًا كنزول الإنسان ، وحركة وسكوناً كحركته وسكونه . يعزّ على الإسلام أن يسمع قائلًا متسنّماً منصّة القيادة الروحية ، في جامع دمشق يهتف : أنّ اللَّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا - ثمّ نزل درجة من درج المنبر - وإن كنت في شكّ مما نقول فاستمع إلى ما ينقل الرحالة ابن بطوطة فهو ينقل في رحلته ويقول : « وكان بدمشق من كبار الفقهاء تقي بن تيمية كبير الشام يتكلّم في الفنون إلّا أنّ في عقله شيئاً . . فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكِّرهم ، فكان من جملة كلامه : إنّ اللَّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزل درجة من درج المنبر ، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء . وأنكر ما تكلّم به ، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته « 2 » . انظر إلى الوهابيّة كيف اتّخذت هذا القائل شيخاً لإسلامهم وسنداً لمذهبهم ، ومعلّماً لتوحيدهم ، وإليه يرحلون ، وعن فتياه يصدرون ، وكأنّه صار صنماً يُعبد ، ويدور الحقّ مداره ، وهؤلاء لا يجوِّزون لأنفسهم الخروج
--> ( 1 ) . مثل يضرب عند الدعاء على الانسان . لاحظ مجمع الأمثال : 2 / 426 حرف الياء . ( 2 ) . رحلة ابن بطوطة : 95 .